عبد الكريم الخطيب

609

التفسير القرآنى للقرآن

وقدم علم الغيب على الشهادة ، للإشارة إلى أن علم اللّه علم مطلق ، لا تحدّه حدود ، فيستوى لديه القريب والبعيد ، والظاهر والخفىّ ، إذ لا قرب وبعد ، ولا خفاء وظهور . . لأن ذلك إنما يكون بالإضافة إلى العلم القاصر المحدود ، الذي يتناول شيئا ويقصر عن شئ . . أما العلم الكامل المطلق ، فحقائق الأشياء كلها واقعة في دائرة هذا العلم كحقيقة واحدة ! . وفي وصف اللّه سبحانه بالعزة والرحمة ، إشارة إلى أن عزته سبحانه وتعالى ، عزة رحمة وإحسان ، وليست عزة تسلط وقهر ، فإن من شأن العزة القهر والجبروت ، وفي المثل : « من عزّ بزّ » . . وتعالت عزة العزيز الحكيم عن ذلك علوا كبيرا . . قوله تعالى : « الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ » . أي أن من عزة اللّه ورحمته قيام هذا الوجود على أحسن نظام ، وأكمله . . والمراد بالحسن هنا ليس مجرد حسن السورة ، وإنما هو الحسن الذي يتجلى في إحكام الصنعة ، ودقة التنسيق ، وروعة التأليف ، وتجاوب النغم ، ووحدة الغاية ، وإن اختلفت الاتجاهات ، وتعددت الأنغام . . « ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ » . . فدبيب النملة على مسارها ، وجريان الشمس في فلكها ، وتدفق النهر في مجراه ، وحفيف الأوراق على أشجارها ، وكل همسة ، وكل حركة في هذا الوجود ، في أرضه وسماواته ، تؤلّف جميعها لحنا علوىّ النعم ، يروع القلب جلاله ، ويأسر الفؤاد حسنه وجماله . . سواء انظر الإنسان إليها في اجتماعها أو افتراقها ، وسواء استعرضها على تفصيلها أو إجمالها . - وفي قوله تعالى : « وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ » إلفات إلى وحدة من وحدات هذا الخلق ، وإشارة إلى مواطن هذا الحسن منه ، وهو خلق الإنسان من طين . . .